أحمد بن علي القلقشندي

11

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

حروف العربية ؛ وقضية ذلك أن حروف العربية أنزلت على آدم عليه السلام وهو الموافق لما في أوّل الفصل قبله ، لكن في كتاب « التنبيه على نقط المصاحف وشكلها » للشيخ أبي عمرو الدانيّ ( 1 ) رحمه اللَّه أنها أنزلت على هود عليه السلام ؛ ولا تباين بينهما ، لجواز أن تنزل على آدم مرّة وعلى هود أخرى ، فربما نزلت الآية على نبيّ ثم نزلت على نبيّ آخر كما قيل في قوله تعالى : * ( حم عسق كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ ) * ( 2 ) إنه ما بعث اللَّه تعالى نبيّا إلَّا وأنزل عليه * ( حم عسق ) * . وقد أنزلت * ( بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) * على سليمان عليه السلام ثم أنزلت على النبيّ صلى اللَّه عليه وسلم ؛ وربما أنزلت الآية الواحدة على النبي صلى اللَّه عليه وسلم مرتين كما في الفاتحة فإنها نزلت مرة بمكة ومرة بالمدينة على أحد الأقوال . وعلى الجملة فقضيته أنها توقيفيّة وهو الموافق لأحد الأقوال في مطلق الحروف . وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما : أن أوّل من وضع الحروف العربية ثلاثة رجال من بولان ( 3 ) ( وبولان قبيلة من طيء ) نزلوا مدينة الأنبار ( 4 ) ، وهم مرامر ابن مرّة ، وأسلم بن سدرة ، وعامر بن جدرة ( 5 ) ، اجتمعوا فوضعوا حروفا مقطَّعة وموصولة ، ثم قاسوها على هجاء السّريانية ؛ فأما مرامر فوضع الصّور ، وأما أسلم ففصل ووصل ، وأما عامر فوضع الإعجام ؛ ثم نقل هذا العلم إلى مكة وتعلَّمه من تعلمه وكثر في الناس وتداولوه .

--> ( 1 ) هو عثمان بن سعيد بن عثمان ، ويقال له ابن الصيرفي : أحد حفّاظ الحديث ومن الأئمة في علم القرآن وتفسيره . توفي في دانية سنة 444 ه . ولعل كتابه المذكور هو : « المقنع » في رسم المصاحف ونقطها . ( الأعلام 4 / 206 ) . ( 2 ) سورة الشورى / 3 . ( 3 ) بولان هو غصين بن عمرو بن الغوث ، ابن طي . ( نهاية الأرب 173 ) . ( 4 ) مدينة قرب بلخ . أول من عمرها سابور بن هرمز ثم جددها أبو العباس السفاح ( معجم البلدان 1 / 257 ) . ( 5 ) جاء في « بلوغ الأرب » انهم تعلموا الخط من كاتب الوحي لهود عليه السلام ثم علموه أهل الأنبار ومنهم انتشرت الكتابة في العراق والحيرة وغيرها . ( بلوغ الأرب 3 / 63 ) .